أصبحت منصات التواصل الاجتماعي ساحات للمناشدات الإنسانية، حيث لم تعد قصص المعاناة حبيسة جدران المستشفيات والمنازل، لتنتشر قصص مثل قصة الطفل «علي محمد» ابن مركز الشهداء بمحافظة المنوفية انتشار النار في الهشيم، لتستحوذ على قلوب الآلاف،
ووفقا لمنشور متداول على وسائل التواصل الاجتماعي، فإن علي هو «عوض ربنا لأمه بعد 18 سنة بدون إنجاب»، إلا أن هذه الفرحة لم تكتمل بعد أن شخص الأطباء حالته بمرض ضمور العضلات دوشين، إذ يتطلب علاج علي حقنة باهظة الثمن تتجاوز 2 مليون دولار، مما دفع بأسرته إلى إطلاق حملة تبرعات رقمية، معلنة عن تفاصيل حساب بنكي تحت إشراف وزارة التضامن الاجتماعي، في محاولة لإنقاذ حياة طفلهم الذي «كل ثانية بتعدي عليه ممكن المرض يتطور في أي وقت».
ولاقت قصة علي تفاعلا كبيرا على المستوى الاجتماعي، حيث استقبله النادي الأهلي في تدريبات الفريق الأول لكرة القدم والتقطت له صور مع بعض نجوم الفريق، فضلا عن تضامن عدد كبير من الفنانين مع علي ونشرهم صورا لهم بصحبته.
قصة الطفل علي ليست حالة فريدة من نوعها، بل هي واحدة من سلسلة طويلة من المناشدات التي انتشرت في مصر خلال السنوات الأخيرة، والتي تعكس نمطا متكررا من الكفاح الرقمي الذي تخوضه الأسر في مواجهة تكاليف العلاج الخيالية.

فقبل أسابيع قليلة، أعلن والد الطفل علي معتز المصاب بضمور عضلات دوشين اكتمال جمع مبلغ التبرعات لعلاج ابنه، ونجاح حملة التبرعات تحت إشراف وزارة التضامن، حيث تمكنت الحملة من جمع 106 ملايين جنيه مصري قيمة العلاج، وذلك بعد موجة تضامن إنسانية واسعة شارك فيها آلاف المصريين، كان لها الدور الأكبر في إنقاذ حياة الطفل وتوفير الأمل له في مواجهة مرضه الخطير.
وقطعا ليست كل القصصة ذات نهاية سعيدة كما في حالة علي معتز، فلا تزال هناك حملات مستمرة لم تنجح بعد في جمع كامل المبلغ المطلوب لتوفير الحقنة، مثلما هو الحال مع الطفلة فرح والطفل يونس.. لكن دعنا نعود بالزمن لسنوات ماضية قليلة وحكايات أطفال وأهالي وحملات تبرعات للخلاص من هذا الكابوس.
حالة الطفل يوسف سمير
خاضت والدة الطفل يوسف سمير، المصاب ب«ضمور دوشين»، سباقا مع الزمن لجمع ثمن عقار Translarn وهو دواء غير متوفر في مصر، والدته تمكنت من الحصول على تصريح رسمي من وزارة التضامن الاجتماعي برقم 760 بتاريخ 24 نوفمبر 2022، مما منح حملتها شرعية وشفافية سمحت لها بجمع التبرعات بشكل قانوني عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وجدت الحملة صدى واسعا، حيث شارك فيها متبرعون بمبالغ متفاوتة، حتى أن أصغر متبرع كان طفلا في الصف الخامس الابتدائي، تسلط هذه الحالة الضوء على أن القناة القانونية لجمع التبرعات موجودة، إلا أنها تتطلب إجراءات قد لا يكون الجميع على دراية بها أو قادرا على إتمامها بسهولة.
حالة الطفل رشيد
كانت قصة الطفل رشيد، الذي يعاني من ضمور العضلات، بمثابة الشرارة التي أدت إلى تأسيس مؤسسة مجتمع مدني متخصصة، عندما أطلقت والدته نداء استغاثة لعلاجه بحقنة Zolgensma التي تزيد تكلفتها عن 2 مليون دولار، أدركت السيدة غادة منيب، التي أصبحت فيما بعد مؤسس ورئيس مجلس أمناء مؤسسة «فرصة حياة»، أن الحل يكمن في التكاتف الجماعي، وبتعاون مع وزارة التضامن الاجتماعي، تم فتح حساب تبرعات باسم الطفل رشيد، ونجحت الحملة في جمع المبلغ المطلوب في غضون 18 يوما فقط.

هذا النجاح قاد إلى فكرة تحويل هذه المبادرة الفردية إلى عمل مؤسسي منظم، مما أدى إلى إشهار مؤسسة «فرصة حياة» كأول مؤسسة في مصر لرعاية الأطفال المصابين بالأمراض النادرة، يمثل هذا التطور نموذجا للاستجابة المجتمعية التي تحول الأزمات الفردية إلى كيانات متخصصة توفر إطارا قانونيا وفعالا للتمويل الجماعي.
صرخة سائق بورسعيدي
تؤكد قصة الطفل محمد البورسعيدي البالغ من العمر وقت اطلاق الحملة 7 سنوات، والذي يعاني من نفس المرض، أن الظاهرة ليست مقتصرة على محافظة واحدة، فوالده الذي يعمل سائقا، أطلق صرخة استغاثة عبر وسائل الإعلام، مناشدا المسؤولين المساعدة في توفير العلاج اللازم، تكشف هذه القصة عن البعد الوطني للمشكلة، وأنها تمس شرائح مجتمعية مختلفة، وأن الكفاح من أجل العلاج هو صراع يواجهه الجميع، بغض النظر عن موقعهم الجغرافي.
تؤكد هذه الحالات الأربع على أن «الكفاح الرقمي» هو انعكاس لنمط مجتمعي متصاعد يعتمد على قوة التمويل الجماعي عبر الإنترنت، كرد فعل على فجوة كبيرة بين الحاجة الطبية الماسة والتكلفة العلاجية الخيالية، وغياب إطار مؤسسي شامل يوفر العلاج أو ييسر الوصول إليه، إن اللجوء إلى السوشيال ميديا أصبح الملاذ الأخير لإنقاذ حياة الأطفال، مما يضع عبئا هائلا على الأفراد والمجتمع.
مرض ضمور العضلات دوشين (Duchenne Muscular Dystrophy – DMD) هو اضطراب وراثي نادر، يصيب الذكور في غالبية الحالات، وتقدر نسبة انتشاره بحوالي 1 من كل 3500 إلى 4000 مولود ذكر، يكمن جوهر المرض في نقص حاد في بروتين «ديستروفين» (Dystrophin) الضروري للحفاظ على سلامة الخلايا العضلية، يؤدي غياب هذا البروتين إلى تلف العضلات وتليفها تدريجيا، لتستبدل بالدهون والأنسجة الليفية، مما يسبب ضعفا وضمورا متزايدا.
تظهر الأعراض الأولية للمرض في مرحلة الطفولة المبكرة، عادة بين عمر السنتين والثلاث سنوات، يبدأ الضعف في العضلات القريبة من الجذع، مثل الكتفين والفخذين، مما يجعل الطفل يواجه صعوبة في الجري والقفز وصعود السلالم، أحد العلامات المميزة للمرض هي «علامة جاور» (Gower’s sign)، حيث يضطر الطفل إلى استخدام يديه لدفع جسمه للأعلى عند محاولة النهوض من وضعية الجلوس، يتفاقم المرض بمرور الوقت، مما يؤدي إلى فقدان القدرة على المشي والحاجة إلى استخدام كرسي متحرك بحلول سن الثانية عشرة.
تتجاوز خطورة المرض العضلات الهيكلية لتطال الأعضاء الحيوية، وخاصة القلب والجهاز التنفسي، تبدأ مشاكل عضلة القلب بالتطور في سن المراهقة، وتزيد نسبة الإصابة بشكل كبير بعد سن 18 عاما، كما يؤدي الضعف التدريجي لعضلات الجهاز التنفسي إلى زيادة عرضة المريض للإصابة بالالتهاب الرئوي وفشل الجهاز التنفسي، وفي غياب الرعاية والعلاج المناسبين، يؤدي المرض غالبا إلى الوفاة المبكرة في العقد الثاني أو الثالث من العمر، إن هذا التطور الزمني للمرض هو الذي يخلق شعور «السباق مع الزمن» الذي ذكرته الأمهات، فكل تأخير في الحصول على العلاج يعني تدهورا لا رجعة فيه في حالة الطفل.
ثورة جينية بين الأمل والتكلفة الخيالية
مع التطور الهائل في التكنولوجيا الجينية، ظهرت علاجات ثورية لمرضى ضمور العضلات، تحمل معها أملا جديدا في إيقاف تطور المرض أو إبطائه بشكل كبير، لكن هذه العلاجات تأتي بتكلفة باهظة تعد السبب الجذري وراء الظاهرة المجتمعية التي يتم تحليلها.
أحدث هذه العلاجات هو عقار Elevidys، الذي صرحت به إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) كأول علاج جيني لمرضى ضمور دوشين، يتم إعطاؤه مرة واحدة عن طريق الحقن الوريدي، وتبلغ تكلفته حوالي 3،2 مليون دولار أمريكي لكل مريض، ورغم أن هذا العلاج الجيني الأول لمرض دوشين، إلا أنه ليس الوحيد الذي يحمل سعرا خياليا؛ فعقار Zolgensma، الذي يستخدم لعلاج ضمور العضلات الشوكي (SMA)، تصل تكلفة الجرعة الواحدة منه إلى 2،1 مليون دولار.
تعتمد هذه العلاجات على مبدأ الطب الشخصي أو الدقيق، حيث تستهدف مشاكل معينة ناتجة عن طفرات جينية فريدة، وتهدف إلى محاكاة إنتاج بروتين الديستروفين المفقود، بالإضافة إلى العلاج الجيني، توجد علاجات أخرى مثل عقار Spinraza، الذي يعد بديلا لZolgensma، ولكن يتم تناوله 4 مرات في السنة مدى الحياة، وتصل تكلفته الإجمالية إلى حوالي 4 ملايين دولار لكل عقد، كما تستخدم الكورتيكوستيرويدات مثل Prednisone و Deflazacort لإبطاء تقدم المرض، رغم آثارها الجانبية.

إن التكلفة الخيالية لهذه الأدوية، والتي تتجاوز 100 مليون جنيه مصري بناء على أسعار الصرف الحالية، هي العامل الأكثر أهمية في دفع الأسر إلى طلب المساعدة المجتمعية، ففي غياب وجود هذه الأدوية محليا (فعقار Translarn الخاص بحالة يوسف غير متوفر في مصر، وشركة ساريبتا لم تتقدم بعد بطلب ترخيص Elevidys في العديد من البلدان) ، وفي ظل عدم قدرة الأفراد على تحمل هذه المبالغ، يصبح المجتمع المدني هو الملاذ الأخير لإنقاذ حياة الأطفال.
بين المبادرات المنظمة والواقع المربك
في مواجهة الأمراض النادرة وتكاليفها الباهظة، برزت في مصر جهود رسمية ومجتمعية، لكنها لم تنجح بعد في سد الفجوة بشكل كامل، مما يضع حالات مثل علي ويوسف ومحمد في منطقة رمادية.
شكلت المبادرة الرئاسية لعلاج مرضى ضمور العضلات الشوكي (SMA) إنجازا كبيرا، حيث وفرت الكشف والعلاج الجيني مجانا للأطفال المصابين بالمرض، وتستهدف المبادرة بشكل أساسي الأطفال دون سن 6 أشهر، وعلى الرغم من أن المبادرة تمثل خطوة هائلة نحو توفير الرعاية للأمراض النادرة، إلا أنها تركز على مرض واحد محدد (SMA)، مما يترك مرضى آخرين مثل المصابين بضمور دوشين خارج نطاق التغطية، هذا التمييز يفسر بشكل واضح السبب وراء شعور والدة علي بأنهم «ليسوا مبادرة دعم الرئيس»، وهو ما يعكس وجود فراغ في الرعاية الرسمية يضطر الأسر لملئه بجهود ذاتية.
دور المؤسسات الخيرية
تعتبر مؤسسة «فرصة حياة» نموذجا ناجحا لجهود المجتمع المدني في سد الفجوة في رعاية الأمراض النادرة، تأسست المؤسسة بعد نجاح حملة الطفل رشيد، وتهدف إلى توفير العلاج والدعم للأطفال المصابين بأمراض لا تستطيع أسرهم تحمل تكاليفها، تعتمد المؤسسة على آلية التمويل الجماعي وتعمل تحت رعاية وإشراف وزارة التضامن الاجتماعي، يمثل هذا النموذج قناة منظمة وشرعية لجمع التبرعات، مما يوفر إطارا أكثر شفافية وموثوقية مقارنة بالحملات الفردية على منصات التواصل الاجتماعي.
لضمان توفير الرعاية اللازمة، تم تخصيص 24 عيادة لإجراء الفحوصات التشخيصية لمرضى الضمور العضلي الشوكي مجانا على مستوى الجمهورية، كما تم تخصيص ثلاثة مراكز للعلاج وهي مركز بمستشفى معهد ناصر، ومركز بمستشفى الجلاء التابعة للقوات المسلحة، ومركز بمستشفى عين شمس الجامعي، وعلى الرغم من وجود هذه المراكز، فإن التقارير السابقة التي أشارت إلى عدم وجود مركز متخصص قد تعكس حداثة هذه المراكز أو محدودية خدماتها لمرضى ضمور دوشين، مما يؤكد أن التحدي لا يكمن فقط في وجود البنية التحتية، بل في تخصصها وقدرتها على استيعاب جميع الحالات المعقدة وتوفير العلاجات المكلفة.
التوازن بين الشفافية والمساءلة وسرعة الاستجابة
تخضع عملية جمع التبرعات في مصر لضوابط قانونية صارمة، تهدف إلى تنظيم العمل الخيري وضمان الشفافية ومكافحة الاحتيال، لكنها في المقابل قد تصطدم بواقع الأزمات الإنسانية التي تتطلب استجابة سريعة، ينص القانون رقم 149 لسنة 2019 بشأن تنظيم ممارسة العمل الأهلي في المادة 26 على أن أي شخص طبيعي أو اعتباري يقوم بجمع تبرعات نقدية أو عينية بأي وسيلة، بما في ذلك منصات التواصل الاجتماعي، دون الحصول على تصريح، يتعرض للمساءلة القانونية.
وتوضح اللوائح القانونية أن الترخيص لجمع التبرعات لا يمنح إلا للهيئات المسجلة وللأغراض التي تصب في «النفع العام» وليس ل«نفع أفراد معينين أو طائفة معينة»، هذا الشرط القانوني يلقي بظلاله على الحملات الفردية التي تطلقها الأسر لعلاج طفل بعينه، ويفسر سبب رفض وزارة التضامن لطلب أحد المرضى، في حين توافق على حالات أخرى.
وفيما يتعلق بجمع التبرعات الإلكترونية، توجد ضوابط إضافية تتطلب وجود موقع إلكتروني مرخص وتحديد الحسابات البنكية ومزودي خدمات الدفع، ورغم أهمية هذه الضوابط لضمان المساءلة، إلا أنها قد تكون صعبة التطبيق على الأفراد الذين يواجهون حالة طارئة، مما يخلق معضلة قانونية وأخلاقية تتمثل في هل يتم تطبيق القانون بحذافيره على حساب حياة الطفل، أم يتم التغاضي عنه لإنقاذه؟ هذه المعضلة هي جوهر التحدي بين التشريع وواقع الأزمات الإنسانية.

دروس من التجربة الغربية
لا تقتصر تحديات علاج الأمراض النادرة على مصر والعالم العربي، بل تمتد إلى الدول المتقدمة، لكن الاختلاف يكمن في طبيعة التحديات وأنظمة الرعاية الصحية المتاحة، في الدول الغربية، لا يقتصر نموذج الرعاية على العلاج الدوائي فقط، بل يشمل أيضا رعاية صحية متكاملة تتضمن العلاج الفيزيائي، والرعاية القلبية والتنفسية، التي تساهم في إبطاء تطور المرض وتحسين جودة حياة المريض.
أما على صعيد التكلفة، فإن الوصول إلى العلاجات الجينية باهظة الثمن في الولايات المتحدة وأوروبا يتم غالبا عبر نظام التأمين الصحي، سواء كان خاصا أو حكوميا مثل برامج Medicaid و Medicare، وعلى الرغم من أن هذه الأنظمة تخفف العبء المالي عن الأفراد، إلا أنها لا تخلو من تحديات، حيث تختلف التغطية بين الخطط التأمينية المختلفة، وقد تتطلب من المرضى دفع مبالغ إضافية كبيرة، كما قد تفرض بعض شركات التأمين قيودا على العمر أو الحالة الصحية للمريض.
تظهر هذه المقارنة وجود فجوة عميقة في النظم الصحية، فبينما تواجه الدول المتقدمة تحديات في تغطية العلاج من خلال شركات التأمين، تواجه دول مثل مصر وبعض الدول النامية تحديات أكبر تتمثل في عدم توفر الأدوية أساسا، وغياب نموذج تأميني شامل يمكنه استيعاب مثل هذه التكاليف، مما يجعل عبء العلاج يقع بشكل كامل على الأسر والمجتمع المدني، هذا الواقع يفسر لماذا يلجأ الأفراد في مصر إلى حملات التبرع، بينما في الغرب قد يتوجهون إلى شركات التأمين أو البرامج الحكومية المتخصصة.