في مثل هذا اليوم في 19 يناير من عام 2019، تصدر فيلم Glass إيرادات شباك التذاكر العالمي. وكان هذا العمل بمثابة كان صدمة سينمائية أعادت طرح ملف الإعاقة الجسدية بشكل مختلف ومثير للجدل.
الفيلم للمخرج الشهير إم نايت شيامالان، وبطولة النجم صامويل جاكسون. تدور أحداثه حول شخصية إيليا برايس، أو كما يطلق على نفسه السيد زجاج Mr. Glass. وهو رجل يعاني من هشاشة عظام مفرطة تجعل جسده قابلا للكسر كلوح زجاجي رقيق.
نقاش حول فيلم Glass
في الواقع، أثار الفيلم نقاشات واسعة بين النقاد والجمهور. فهل الشخصية تمثل ذكاء المعاق وقدرته على التخطيط؟ أم أنها ترسخ صورة نمطية قديمة تربط بين الإعاقة والشر المطلق؟ اليوم، ونحن نستعيد ذكرى هذا العرض، نفتح ملف مرض العظام الزجاجية. لنفرق بين خيال السينما وواقع الألم الذي يعيشه آلاف المرضى حول العالم. ولنرى: هل الكسر في العظام أم في نظرة المجتمع؟
ما هو مرض العظام الزجاجية؟
بعيدا عن أجواء الإثارة في فيلم Glass، فإن المرض حقيقي ومؤلم للغاية. يعرف طبيا باسم تكون العظم الناقص.. وهو اضطراب وراثي نادر يصيب النسيج الضام في الجسم. وفق موقع الطبي دوت كوم. تحدث الإصابة نتيجة خلل في إنتاج بروتين الكولاجين. وهو البروتين المسؤول عن تقوية العظام وبناء هيكلها. وبالتالي، تصبح عظام المريض هشة جدا وتفتقر للمرونة اللازمة لتحمل الصدمات.
في الحالات الشديدة، قد يولد الطفل بكسور حدثت وهو جنين داخل الرحم. وفي حياته اليومية، قد تكسر ساقه بمجرد الوقوف، أو ينكسر ضلعه بسبب عطسة قوية. إنه يعيش حرفيا في جسد من زجاج.
علاوة على ذلك، يعاني المرضى من أعراض مصاحبة أخرى. مثل ضعف العضلات، انحناء العمود الفقري، ومشاكل في الأسنان والسمع. ورغم ذلك، فإن قدراتهم العقلية والذهنية تكون طبيعية تماما، وغالبا ما تكون متوقدة.
العبقرية مقابل العجز
جسد صامويل جاكسون شخصية إيليا برايس ببراعة مذهلة. قدم لنا رجلا قضى حياته على كرسي متحرك، يرتدي ملابس بنفسجية مميزة. ويعيش بهاجس وحيد، وهو إثبات أن الخارقين موجودون في الواقع كما في القصص المصورة. حسب مراجعة للفيلم نشرت في ذا جارديان.
في الفيلم، يمتلك مستر جلاس ذكاء استراتيجيا خارقا. إنه يخطط لجرائم معقدة ويتلاعب بالجميع، بمن فيهم الأقوياء جسديا. وكأن الفيلم يقول: ما أخذه الله من الجسد، عوضه في العقل. هذه الزاوية تحمل جانبا إيجابيا وجانبا سلبيا في آن واحد. الإيجابي هو إظهار المعاق كشخص فاعل، ذكي، ومؤثر، وليس مجرد ضحية مسكينة. فهو العقل المدبر الذي يحرك الأحداث.
أما الجانب السلبي، فهو ربط هذا الذكاء ب الشر. فالشخصية تسعى لإحداث كوارث وقتل أبرياء لإثبات نظريتها. وهنا تقع هوليوود في فخ الشرير المعاق الذي ينتقم من العالم لأنه ولد مختلفا.
فخ التعويض النفسي.. هل المعاق حاقد؟
يطرح فيلم Glass تساؤلا جدليا حول نفسية ذوي الإعاقة. هل الشعور بالعجز الجسدي يولد رغبة في تدمير العالم؟ السينما غالبا ما تميل للإجابة ب نعم لخدمة الدراما والحبكة.
يرى علماء النفس أن هذه صورة نمطية ضارة. فغالبية ذوي الإعاقة لا يسعون للانتقام، بل يسعون للاندماج والقبول. إن تحويل إيليا برايس لقاتل يرسخ الخوف في نفوس المشاهدين تجاه أصحاب الكراسي المتحركة. حسب موقع changingfaces.org في مقال بعنوان «أنا لست شريرا».
في الحقيقة، المعاق لا يريد أن يكسر العالم ليتساوى معه. بل يريد أن يصلح العالم من خلال الإتاحة والقبول ليتسع له. وهذه نقطة جوهرية غابت عن صناع الفيلم في خضم الإثارة.
ومع ذلك، يحسب للفيلم أنه أظهر الألم النفسي الناتج عن التنمر. فلقب مستر جلاس كان شتيمة يطلقها الأطفال عليه في الصغر. لكنه حول هذه الشتيمة إلى هوية وقوة، وهذا جزء من الصمود النفسي.
واقع المرضى أبطال بلا عباءات
إذا تركنا الشاشة ونظرنا للواقع، سنجد أبطالا حقيقيين من الزجاج. هؤلاء لا يخططون لتفجير قطارات، بل يخططون لكيفية الذهاب للمدرسة دون كسر جديد. معركتهم هي الحياة العادية. يعيش مريض العظام الزجاجية في حالة تأهب دائم. فكل حركة قد تكون الأخيرة قبل الجبس. تخيل أن تخاف من مصافحة صديق بحماس، أو أن يكون عناق الأم خطرا على حياتك.
رغم هذا الألم، نجد منهم العلماء، والمبرمجين، والكتاب. هم يستخدمون عقولهم بالفعل للتعويض، لكن في الخير والبناء. وقصص نجاحهم الواقعية أكثر إلهاما من أي سيناريو خيالي. لذلك، يجب أن نفرق بين التعويض المرضي الذي تعرضه السينما. وبين التكيف الإيجابي الذي يمارسه المرضى يوميا. فهم يتكيفون مع بيئة صعبة، ويخلقون مسارات بديلة للنجاح.

السينما كسلاح ذو حدين
لا يمكن إنكار أن فيلم Glass ساهم في التعريف بالمرض. فقبل الفيلم، لم يكن الكثيرون يعرفون شيئا عن Osteogenesis Imperfecta. وقد دفع الفضول الملايين للبحث والقراءة عنه بعد المشاهدة. هذا النوع من التوعية غير المباشرة مفيد جدا. فهو يكسر حاجز الجهل، ويجعل اسم المرض مألوفا. لكن المشكلة تكمن في الصورة الذهنية التي تلتصق بالاسم.
يجب على المشاهد أن يمتلك الوعي الكافي للفصل. ليدرك أن مستر جلاس شخصية خيالية متطرفة. وأن مريض العظام الزجاجية في منزله أو عمله هو إنسان مسالم يحتاج للدعم لا للحذر. على صناع السينما أيضا مسؤولية أخلاقية. نحن نحتاج لأفلام تظهر المعاق كبطل رومانسي، أو أب حنون، أو موظف ناجح. وليس فقط كعبقري شرير أو مسكين بائس.
رسالة الفيلم الخفية.. نحن موجودون
في أحد مشاهد الفيلم المؤثرة، يتحدث إيليا برايس عن وجوده. يقول ما معناه: كان يجب أن يكون هناك تفسير لوجودي.. لا يمكن أن أكون خطأ. هذه العبارة تلمس وترا حساسا جدا. إنها تعبر عن البحث عن المعنى في قلب المعاناة. فكل مريض بمرض نادر يسأل نفسه: لماذا أنا؟. والإجابة تكمن في أن وجودهم هو اختبار لإنسانية العالم، ودليل على التنوع البشري.
طالع: العظم الزجاجي والإعاقة الحركية.. تعرف على الأسباب وطرق التعايش والعلاج
ربما لم يقصد الفيلم تقديم رسالة حقوقية مباشرة. لكنه، ومن خلال شخصية السيد زجاج، أجبرنا على رؤية هؤلاء المختبئين في الظل. أجبرنا على الاعتراف بذكائهم ووجودهم المؤثر. وبالتالي، يمكننا استغلال الفيلم كمدخل للحوار. لنتحدث مع أطفالنا عن الاختلاف، وعن القوة التي قد تولد من رحم الضعف الجسدي. وعن أن العقل هو المعيار الحقيقي للإنسان.
زجاج لا ينكسر
في الختام، يظل فيلم Glass عملا فنيا ممتعا ومثيرا للتفكير. قد نختلف مع طرحه الدرامي، لكننا لا نختلف على أهمية القضية التي أثارها. قضية العظام الهشة والإرادة الصلبة. إن الدرس الحقيقي الذي يجب أن نخرج به ليس الخوف من مستر جلاس. بل الاحترام لكل شخص يعيش بمرض العظام الزجاجية. هؤلاء الذين يتحملون مئات الكسور، ثم يجبرونها ويواصلون الابتسام.
إنهم يمتلكون أرواحا من فولاذ داخل أجساد من زجاج. وهم الأبطال الخارقون الحقيقيون في عالمنا، دون حاجة لعباءات أو مؤثرات بصرية.


.png)


















































