لم يكن مارك مراد الشاب المصري يتخيل أن فقدان بصره سيقوده يومًا إلى ابتكار تكنولوجيا تساعد المكفوفين في أكثر من 140 دولة على رؤية العالم بطريقة مختلفة.
في سنوات طفولته الأولى، كان مارك يرى بشكل طبيعي، ويحلم بدراسة علوم الكمبيوتر. لكن في عام 2018 بدأت مشكلة غامضة في بصره، ومع الوقت تدهورت حالته حتى فقد بصره بالكامل، بعدما كشفت الفحوصات عن إصابته بحالة نادرة وغير قابلة للعلاج في العصب البصري. وفي الفترة نفسها فقدت شقيقته كارين بصرها أيضًا.

لم يكن فقدان البصر هو التحدي الوحيد؛ فمارك كان طالبًا يريد أن يكمل طريقه الدراسي في مجال الكمبيوتر، لكنه اصطدم بمشكلة يومية لم تكن برامج قراءة الشاشة قادرة على حلها.
كان يستطيع سماع النصوص، لكن ماذا عن الصور؟ والرسوم البيانية؟ والمعادلات؟ وملفات الـPDF وPowerPoint التي تحتوي على معلومات بصرية لا يستطيع قارئ الشاشة التقليدي وصفها؟
كان يضطر إلى الاستعانة بالآخرين لشرح ما لا يستطيع الوصول إليه بنفسه، وهو ما جعله يتساءل: لماذا لا توجد أداة تمنح الكفيف قدرًا أكبر من الاستقلال؟
ومن هنا بدأت الفكرة.
مارك مراد.. فقد بصره فصنع «عينًا» بالذكاء الاصطناعي للمكفوفين
قرر مارك أن يصنع الأداة التي كان يبحث عنها. تواصل مع مطورين يعملون في المجال، لكن لم يحصل على المساعدة التي كان ينتظرها، فقرر أن يتعلم البرمجة بنفسه.
بدأ التعلم من خلال دروس على الإنترنت، وواجه تحديًا مضاعفًا: لم يكن يتعلم البرمجة فحسب، وإنما كان يتعلمها وهو كفيف، مستخدمًا قارئ الشاشة.
يقول مارك في حديث سابق مع الجامعة الأمريكية بالقاهرة إن البرمجة تصبح أكثر صعوبة عندما لا تستطيع رؤية الشاشة، لأن خطأ صغيرًا في الكود يمكن أن يتسبب في توقف البرنامج بالكامل.
وبعد أشهر قليلة ظهرت النسخة الأولى من تطبيق ScribeMe.
التطبيق لم يكن مجرد قارئ للنصوص، وإنما محاولة لإعادة بناء المحتوى البصري بطريقة يستطيع الكفيف الوصول إليها. يستطيع تحليل المستندات، وقراءة النصوص، ووصف الصور والجداول والرسوم، وتحويل المحتوى إلى معلومات يمكن التعامل معها من خلال قارئ الشاشة.
مارك وبيشوي.. شراكة بدأت من تجربة إنسانية
ومع الوقت لم تعد الفكرة مشروعًا فرديًا.. دخل بيشوي ميشيل شريكًا في المشروع، وأصبح الاثنان يعملان على تطوير ScribeMe وتوسيع قدراته. ووفقًا لما نشرته مواقع صحفية مصرية، فإن مارك وبيشوي نجحا في تطوير التطبيق ليقدم للمكفوفين أدوات تساعدهم في التعليم والحياة اليومية وتمنحهم قدرًا أكبر من الاستقلالية.

واللافت أن تجربة بيشوي الشخصية كانت أيضًا جزءًا من الدافع وراء المشروع؛ فقد تحدث عن ابن عمه الذي فقد بصره في المرحلة الثانوية، وعن الصعوبات التي واجهها في الدراسة والحياة اليومية، وهو ما دفعه للتفكير في تطوير حلول تكنولوجية تساعد فاقدي البصر. كما أوضح أن ابن عمه نفسه تعلم البرمجة وشارك في تطوير النسخة الأولى من التطبيق.
وهكذا أصبح المشروع نتاج تجربتين متداخلتين: تجربة مارك الذي عاش فقدان البصر بنفسه، وتجربة بيشوي الذي رأى عن قرب معاناة شخص قريب منه، قبل أن تتحول التجربتان إلى منتج تكنولوجي يخدم مجتمعًا كاملًا.
لحظة التحول
جاءت إحدى أهم محطات المشروع خلال مسابقة Vodafone AI Assistive Tools Hackathon عام 2024، التي شارك فيها نحو 200 فريق.
كان مارك من أصغر المشاركين، ولم يكن يتوقع أن يفوز مشروعه بالمركز الأول.
لكن ScribeMe فاز بالفعل، وكانت الجائزة نقطة تحول ساعدت المشروع على الانتقال من مجرد فكرة إلى شركة ومشروع قابل للتوسع، كما ساهمت المسابقة في دخول شريك مؤسس إلى الفريق وتوسيع نطاق العمل.

ومنذ ذلك الوقت تطورت فكرة ScribeMe بصورة كبيرة.
فالتطبيق لم يعد مخصصًا فقط لقراءة المستندات، بل أصبح قادرًا على الإجابة عن أسئلة المستخدم حول الأشياء التي تلتقطها كاميرا الهاتف، ووصف البيئة المحيطة، والتعرف على الأشياء، ومساعدة المستخدم في مواقف الحياة اليومية.
واليوم يدعم التطبيق نحو 20 لغة، من بينها العربية، ووصل إلى مستخدمين في أكثر من 140 دولة.
من الهاتف إلى النظارة
المرحلة الأكثر إثارة في تجربة مارك ربما جاءت عندما امتد ScribeMe إلى النظارات الذكية من Meta.
الفكرة هنا تتجاوز مجرد استخدام الهاتف؛ فالكفيف يستطيع الحصول على وصف لما يحيط به من خلال النظارة، بينما تظل يداه حرتين، وهو أمر بالغ الأهمية أثناء الحركة واستخدام العصا أو التعامل مع البيئة المحيطة.
وتكشف تجربة شقيقته كارين حجم التأثير الذي يمكن أن تصنعه هذه التكنولوجيا.
خلال رحلة إلى كينيا، استخدمت كارين النظارات مع ScribeMe للحصول على وصف مباشر للحيوانات الموجودة حولها، والمسافة بينها وبين الحيوانات وما كانت تفعله. بالنسبة لفتاة فقدت بصرها، لم تكن التجربة مجرد استخدام تطبيق، وإنما لحظة شعرت فيها بأنها تستطيع أن تتخيل المشهد من حولها بطريقة لم تكن ممكنة من قبل.
من «لماذا لا أستطيع أن أرى؟» إلى «كيف أجعل الآخرين يرون؟»
ربما تكون أهم نقطة في قصة مارك أن ScribeMe لم يبدأ من معمل أبحاث أو شركة تكنولوجية ضخمة، وإنما من احتياج شخصي.
مارك لم يكن يبحث في البداية عن مشروع تجاري، وإنما كان يبحث عن إجابة لمشكلة تواجهه هو شخصيًا: كيف يمكن أن أتعامل مع العالم من حولي دون أن أضطر في كل مرة إلى انتظار شخص آخر ليشرح لي ما أراه؟
هذه الفكرة تحولت إلى مشروع، والمشروع تحول إلى شركة، والشركة أصبحت أداة يستخدمها مكفوفون في عشرات الدول.

وفي قصة مارك، لا تبدو التكنولوجيا مجرد وسيلة لتعويض فقدان البصر، وإنما وسيلة لإعادة تعريف العلاقة بين الإنسان وإعاقته.
فهو لم يتعامل مع فقدان بصره باعتباره نهاية الطريق، بل باعتباره المشكلة التي يجب أن يجد لها حلًا.
وبدلًا من أن يسأل: «من سيرى لي ما لا أستطيع رؤيته؟»، قرر أن يصنع التكنولوجيا التي تجيب عن السؤال بنفسها.
وربما لهذا السبب تحديدًا تبدو تجربة مارك أكبر من قصة نجاح فردية؛ لأنها تحمل رسالة واضحة: أحيانًا لا يكون التحدي في أن تتغلب على الظروف، وإنما في أن تحول الظروف نفسها إلى سبب لصناعة شيء يغير حياة الآخرين.


.png)
















































